ابن الأثير
191
الكامل في التاريخ
جمادى الأولى سنة ستّمائة ، فأقام الفرنج بظاهره محاصرين للروم ، وقاتلوهم ، ولازموا قتالهم ليلا ونهارا ، وكان الروم قد ضعفوا ضعفا كثيرا ، فأرسلوا إلى السلطان ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان ، صاحب قونية وغيرها من البلاد ، يستنجدونه ، فلم يجد إلى ذلك سبيلا . وكان بالمدينة كثير من الفرنج ، مقيمين ، يقاربون ثلاثين ألفا ، ولعظم البلد لا يظهر أمرهم ، فتواضعوا هم والفرنج الذين بظاهر البلد ، ووثبوا فيه ، وألقوا النار مرّة ثانية ، فاحترق نحو ربع البلد ، وفتحوا الأبواب فدخلوها ووضعوا السيف ثلاثة أيّام ، وفتكوا بالروم قتلا ونهبا ، فأصبح الروم كلّهم ما بين قتيل أو فقير لا يملك شيئا ، ودخل جماعة من أعيان الروم الكنيسة العظمى التي تدعى صوفيا [ 1 ] ، فجاء الفرنج إليها ، فخرج إليهم جماعة من القسيسين والأساقفة والرهبان ، بأيديهم الإنجيل والصليب يتوسّلون بهما [ 2 ] إلى الفرنج ليبقوا عليهم ، فلم يلتفتوا إليهم ، وقتلوهم أجمعين ونهبوا الكنيسة . وكانوا ثلاثة ملوك : دوقس البنادقة ، وهو صاحب المراكب البحريّة ، وفي مراكبه ركبوا إلى القسطنطينيّة ، وهو شيخ أعمى ، إذا ركب تقاد فرسه ، والآخر يقال له المركيس ، وهو مقدّم الإفرنسيس ، والآخر يقال له كند أفلند ، وهو أكثرهم عددا ، فلمّا استولوا [ 3 ] على القسطنطينيّة اقترعوا على الملك ، فخرجت القرعة على كند أفلند ، فأعادوا القرعة ثانية وثالثة ، فخرجت عليه ، فملّكوه ، واللَّه يؤتي ملكه من يشاء ، وينزعه ممّن يشاء ، فلمّا خرجت القرعة عليه ملّكوه عليها وعلى ما يجاورها ، وتكون لدوقس البنادقة الجزائر البحريّة مثل جزيرة إقريطش وجزيرة رودس وغيرهما ، ويكون لمركيس
--> [ 1 ] تدعا سوفيا . [ 2 ] بها . [ 3 ] استولى .